كيف صنعت التنظيمات المتطرفة والإرهابية؟

إنضم
26/6/21
المشاركات
19
التفاعلات
23
لا يرتبط مسار ومصير الجماعات الدينية السياسية بقدراتها الذاتية، التي تمكنها من تعبئة قطاعات جماهيرية حول خطابها وتصوراتها وممارساتها فحسب؛ إنّما يتفاعل ويتشاكل مع التحولات المتعلقة بالسياق، الاجتماعي والسياسي، الذي تعيش فيه، وكذلك التطورات الإقليمية التي تتوالى بلا هوادة، والتي يمكن ذكرها على النحو الآتي:

1 ـ لم تنبع أفكار هذه الجماعات من بيئتها المحلية فحسب؛ بل جاءتها من خارجها أيضاً، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تأثّر سيد قطب، سيّما في كتابه المثير للجدل "معالم في الطريق" بتجربة الصراع بين المسلمين والهندوس في الهند، التي بانت ملامحها بشدة في كتابات أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي، التي تمت ترجمتها إلى اللغة العربية، وأعاد قطب إنتاجها في حديثه عن "الحاكمية"، و"الخلافة"، والصراع مع الآخر، سواء كان من المسلمين الذين لا يتبنون مشروع الجماعات التي تتوسل بالدين في سبيل تحصيل السلطة، أو من أتباع الديانات الأخرى الذين يعيشون في بلاد المسلمين، أو يشاركهم مسلمون في العيش داخل الدولة، وكذلك العالم الخارجي، الذي فرضت هذه الكتابات ضرورة الصراع معه، في ظل إيمانها بأنّ العالم منقسمٌ إلى فسطاطين، أو معسكرين: "دار الإسلام" و"دار الحرب". في المقابل؛ فإنّ الأفكار التي ناهضت هذا التيار، التي أنتجها فقهاء مستنيرون، أو مفكرون مدنيون، يساريون وليبراليون، ساحت في الزمان والمكان، وانتقلت من بلدٍ إلى آخر، واستلهمها مثقفون، وهم يتبنون رؤية مقاومة للجماعات الدينية السياسية بشتى أصنافها.

2 ـ لا يمكن أنْ نفصّل منشأ هذه الحركات التي تروم السلطة باستعمال الإسلام، عن تطورات إقليمية ودولية، ارتبطت بسقوط الإمبراطورية العثمانية، والتي كانت تتعامل معها الجماعات الدينية المسيّسة، على أنّها "خلافة" واجب الحفاظ عليها، والدفاع عنها، واستعادتها، فجماعة الإخوان، التي بدأت هذه المسيرة عام 1928، وانحدرت منها، ونشأت على ضفافها، جماعات متطرفة شتى، حددت ضمن أهدافها، صراحةً وبلا مواربةٍ، استعادة "الخلافة" التي سقطت على يد مصطفى كمال أتاتورك، عام 1924، بعد أن بلغ ضعفها مداه، وصارت "رجل أوروبا المريض".

3 ـ تأثرت هذه الجماعات بحالة الصراع الإقليمي، الذي ساد العالم العربي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، التي أطلق عليها "الحرب العربية الباردة"، والتي قامت، بالأساس، على التنافس الحاد بين المشروع القومي لجمال عبد الناصر، والمشروع المجابه الذي تزعمته المملكة العربية السعودية. فقد استفادت جماعة الإخوان من هذا الخلاف؛ حيث وجدت فيه ملاذاً لها في المملكة، وبعض دول الخليج، واستمر هذا الملاذ بعد ما جرى للجماعة على يد نظام حافظ الأسد، عام 1981. وخلال هذه الفترة تمكن الإخوان من بناء شبكاتٍ وفروع لهم في بلدان الخليج، ونشأ تنظيم "السروريون" في السعودية، الذي يقف في منطقةٍ وسطى، فكراً وممارسةً، بين السلفيين والإخوان، عبر مسار تحايلي؛ حيث تمّ استغلال الظرف التاريخي المشار إليه، ليصنع لنفسه شبكة اجتماعية، ويحظى بمشروعية التواجد والعمل والانتشار.

4 ـ تمكنت الجماعات والتنظيمات الدينية السياسية من بناء شبكةٍ من العلاقات مع العالم الخارجي، سيما الدول الغربية، بلغت حداً عميقاً وواسعاً، إلى درجة أنّ الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، رأى منذ نحو عشر سنوات، ولا تزال رؤيته تلك سارية، أنّه يمكن الاعتماد على ما يعتبرها "الجماعات الإسلامية المعتدلة" في مواجهة الجماعات التكفيرية والإرهابية في العالم الإسلامي، وتصاعدت هذه الرؤية تدريجياً، بعد ثلاث سنوات تقريباً، من حدث 11 سبتمبر عام 2001. وهناك دراساتٌ، ووثائق، وتصورات، وتصريحات، تبرهن هذا المسلك، الذي لم يقم فقط على قدرة الجماعات الدينية المسيسة على تسويق نفسها لدى الغرب وطمأنته على مصالحه؛ بل أيضاً على تقديراتٍ وترجيحاتٍ لدى الغرب نفسه، بعضها قام على تصورات مفادها أنّ "الإسلاميين" هم البديل الأقرب للوصول إلى السلطة حال سقوط أنظمة الحكم القائمة.

5 ـ لا يقتصر مشروع هذه الجماعات على مجتمعاتها المحلية، فالإخوان يتحدّثون عن "أستاذية العالم"، متدرجين ممّا يسمونه تكوين الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، وهي عندهم الأسرة التنظيمية الإخوانية، ثم المجتمع المسلم، وصولاً إلى أممية ينعتونها بالأستاذية للبشرية جمعاء، وتمضي بقية الجماعات على المنوال نفسه؛ إذ تنزع إلى أممية باسم "الخلافة"، كما سبق الذّكر، وعلى رأسها "حزب التحرير الإسلامي"، الذي ينشط في مختلف أنحاء الدول الإسلامية، ويجعل من الخلافة مقصده وغايته الأساسية.

6 ـ صارت بعض هذه الجماعات، في أفكارها، وتنظيماتها، وتمويلها، وأهدافها، عابرة للحدود، وتسعى إلى تشبيك العلاقة بين فروعها وجماعاتها الصغيرة في أكثر من دولة.

7 ـ تستخدم هذه الجماعات والتنظيمات آخر ما توصلت إليه البشرية من تقنيات المعلومات، وصناعة الصورة، والتدفق الإخباري، لتسويق أفكارها التي تخاصم هذا التطور أصلاً، وتنبذه، وتكفّر، في كثير من الأحيان، أو تفسّق، من يقفون خلفه، ويحرصون عليه، ويعملون على دفعه قدماً. وقد شهد خبراء إعلاميون دوليون، بعد فحص وتحليل الصور ومقاطع الأفلام التي بثّها داعش لبعض عمليات القتل، غير الرحيم، التي قام بها، أو تدريباته، وهجماته العسكرية، بأنّها قد أعدّت على أعلى مستوى احترافي، ما يشير إلى عدة احتمالات: أولها أن تكون أجهزة استخباراتٍ وراء هذا الرسالة الإعلامية البشعة، أو يكون التنظيم قد نجح في استقطاب خبراء متمكنين في هذا المجال، ليعملوا لديه بأجر، أو يكون بعض هؤلاء قد انضم إلى التنظيم، ويستخدمون خبراتهم في إطار ما يسميه التنظيم بـ "الجهاد في سبيل الله".

8 ـ تتبنّى هذه الجماعات نمطاً من السياسات الخارجية، منفصلةً عن السياسة الرسمية للدولة، التي توجد بها تلك التنظيمات، وتشكل تحدياً لها في أغلب الأحيان، وتكون موجَّهة، إمّا إلى دول متعاطفة مع هذه الجماعات، أو توظفها في خدمة أهدافها، أو إلى جماعات شبيهة أو نظيرة في دول أخرى. وقد يبدو هذا مطروحاً في ظلّ ظهور فاعلين جدد على الساحة الدولية، وهي مسألة التفت إليها علم العلاقات الدولية في العقود الأخيرة، فلم يعد يتعامل مع الدولة بوصفها الطرف الوحيد على الساحة الدولية. لكنّ المشكلة التي تظهر في هذا المقام؛ هي أنّ الجماعات والتنظيمات التي توظّف الدين في تحصيل السلطة السياسية، ليست وحدات طبيعية، يمكن أن تتفاعل دولياً بشكلٍ سلسٍ، سلمي وإيجابي، كما تفعل وحدات أخرى، مثل مختلف الاتحادات، والروابط العمالية والفلاحية، وحركة الهجرة، وغيرها، إنّما تشكل خطراً على الدول كافة، بما فيها تلك التي تعتقد أنّ بوسعها توظيف هذه الجماعات في خدمة أهدافها.

9 ـ باتت لبعض الجماعات والتنظيمات الدينية أموالاً طائلةً، تتدفق عبر الحدود، من خلال شركات توظف فيها استثماراتٍ ملموسةً، سواء من خلال الشراكة مع أفراد أو حكومات، أو إيداعها لدى بنوك أجنبيةٍ، أو وضعها في صناديق خاصة، ويعاد تدوير هذه الأموال من أجل تنميتها، واستعادة أجزاء منها، كلّما دعت الضرورة إلى توظيفها في خدمة المشروع السياسي لهذه الجماعات. وقد تعرضت أموال هذه التنظيمات للمصادرة في بعض الدول، مثل: مصادرة الولايات المتحدة الأمريكية لأموال حركة حماس، ومصادرة بعض الدول لأموال حزب الله اللبناني، وجماعة الإخوان. وبعض هذه التنظيمات جنى الكثير من أمواله من خلال تهريب النفط والآثار، وهي مسألةٌ تحتاج إلى أطرافٍ خارجيةٍ، دولٍ أو أفراد، كي تتم عمليات البيع والشراء. وحصلت حركات دينية في أفغانستان، وقت القتال ضد الاتحاد السوفيتي السابق، على أموال جراء تهريب المخدرات إلى روسيا وأوروبا الغربية.

10 ـ دخلت بعض الجماعات المتطرفة والإرهابية طرفاً في التجارة الدولية للسلاح، سواء مولت هي هذه الصفقات من أموالها الخاصة، أو مولتها دول وأجهزة أمنية تستعمل هذه الجماعات لخدمة أهدافها. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد؛ بل باتت هذه الجماعات تستعمل أساليب في القتال، استفادت فيها من حركات يسارية، وقوى تحررية سابقة، لكن بغية تحقيق أهداف لا علاقة لها بإقامة العدل الاجتماعي، ولا تحرير الأوطان من الاستعمار. والمثل الصارخ لهذا هو تنظيم داعش الذي يعتمد على قوات لا تديرها، وتسيطر عليها قيادة مركزية، وتستخدم تكتيكاتٍ عسكريةً مبتكرةً هي هجين بين التكتيكات الإرهابية، وحرب العصابات، والحرب النظامية؛ حيث يوجد على رأسه مجلس عسكري مسؤول عن وضع الخطط القتالية والآليات وطرق إنجازها، وتعتمد طريقة القتال على دفع خلايا نائمة للسيطرة الداخلية على المدن المراد مهاجمتها من الخارج، حيث تقوم مجموعات بإحكام القبضة على مبانٍ حكوميةٍ، وثكناتٍ عسكريةٍ، ومراكز أمنيةٍ، ومنشآتٍ حيويةٍ مثل؛ المطارات، والمعابر، وحقول النفط، والسدود، والمناطق الصناعية، ومخازن الغلال، وغيرها. ويمزج تنظيم داعش بين أسلوب حرب المدن ووسائل الجيوش شبه النظامية، معتمداً على تشكيلات قتالية من المشاة والمدفعية، والعمليات الخاصة، والانتحاريين، والمختصين الفنيين، والمهندسين، علاوةً على الاستخبارات، والتدريب، ووضع الخطط الخداعية.

المصدر
 

خالد

التحالف يجمعنا
طاقم الإدارة
مشرف عام
إنضم
21/5/19
المشاركات
18,388
التفاعلات
54,341
مرحبا بك معنا، كرما إضافة صورة في أول الموضوع و تقسيم المحتوى إلى أجزاء مع إضافة الصور و إضافة مصدر آخر موثوق
 
أعلى