حقوق وحريات ضمنها الإسلام لغير المسلمين في المجتمع المسلم

إنضم
26/6/21
المشاركات
19
التفاعلات
22
حقوق وحريات ضمنها الإسلام لغير المسلمين في المجتمع المسلم

عدد_ديانات_العالم.jpg


تمتع غير المسلمين المقيمون في بلاد المسلمين بسلسلة من الضمانات التي منحها لهم المجتمع المسلم بهدي من كتاب الله وسنة رسوله  صلى الله عليه وسلم، منها ضمان حرية العقيدة، وحرية العبادة، وحسن المعاملة ورفع الظلم عنهم، والعدل، والتكافل الإجتماعى.

أولاً: ضمان حرية المعتقد:

لم يعمد المسلمون طوال تاريخهم الحضاري العظيم إلى إجبار الشعوب أو الأفراد الذين تحت ولايتهم يقول الله: [لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً] (المائدة: 48).

وقال تعالى: [ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين # إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ] ( هود : 118– 119).

أدرك المسلمون أن مهمتهم هي البلاغ فحسب، قال الله مخاطباً نبيه  صلى الله عليه وسلم : [فإن تولوا فإنما عليك البلاغ[ (النحل: 82). وقال تعالى: [فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد] (آل عمران: 20).

 وقال تعالى: [فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر] (الغاشية: 21-22).

وقال الله تعالى لنبيه  صلى الله عليه وسلم: [ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ] (البقرة: 272).

كرم الله الجنس البشري على سائر مخلوقات الله [ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً ] (الإسراء: 70).

 ومن تكريم الله للجنس البشري ما وهبه من العقل وهبه الحرية والإرادة الحرة لاختيار ما يشاء { إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً } (الإنسان: 3) { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } (يونس: 99).

وقد امتثل سلفنا هدي الله، فلم يلزموا أحداً بالإسلام إكراهاً [لا إكراه في الدين] (البقرة: 256).

ثانياً: حرية ممارسة العبادة وضمان سلامة دورها:

أديانهم. فقد كتب لاساقفة اهل نجران ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على

ومن تبعهم ورهبانهم: أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته"، ووفق هذا الهدي السمح سار الخلفاء الراشدون من بعده  صلى الله عليه وسلم، فقد ضمن الخليفة عمر بن الخطاب نحوه في العهدة العمرية التي كتبها لأهل القدس، وفيها: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، وأن تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم.

وحين فتح خالد بن الوليد دمشق كتب لأهلها : "بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم ، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله  والخلفاء والمؤمنين".

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: "لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار".

وقال الفقهاء المسلمون بتأمين المسلمين لحقوق رعاياهم في العبادة، فقرروا أنه "يحرم إحضار يهودي في سبته، وتحريمه باق بالنسبة إليه، فيستثنى شرعاً من عمل في إجازة، لحديث النسائي والترمذي وصححه: ((وأنتم يهود عليكم خاصة ألا تعدوا في السبت)).

ويمتد أمان الذمي على ماله، ولو كان خمراً أو خنزيراً ، وينقل الطحاوي إجماع المسلمين على حرية أهل الذمة في أكل الخنازير والخمر وغيره مما يحل في دينهم.

كما ينقل عن ابن القاسم "إن تحاكم أهل الذمة إلى حاكم المسلمين ورضي الخصمان به جميعاً؛ فلا يحكم بينهما إلا برضا من أساقفهما، فإن كره ذلك أساقفهم فلا يحكم بينهم، وكذلك إن رضي الأساقفة ولم يرض الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهما".

ثالثاً: حسن العشرة والمعاملة الحسنة:

أمر الله في القرآن الكريم المسلمين ببر مخالفيهم في الدين، الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، فقال: [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين] (الممتحنة: 8).

وقوله: { إن الله يحب المقسطين } بمعنى إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم".

فقد أوجب الإسلام حسن العشرة وصلة الرحم حتى مع الاختلاف في الدين، فقد أمر الله بحسن الصحبة للوالدين وإن جهدا في رد ابنهما عن التوحيد إلى الشرك، فإن ذلك لا يقطع حقهما في بره وحسن صحبته: [وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً] (لقمان: 15).

قال محمد بن الحسن: "يجب على الولد المسلم نفقة أبويه الذميين لقوله تعالى: [وصاحبهما في الدنيا معروفا ] (لقمان: 15)،  والنوازل والأجداد والجدات من قبل الأب والأم بمنزلة الأبوين في ذلك، استحقاقهم باعتبار الولاد بمنزلة استحقاق الأبوين".

ومن البر وصلة الأرحام عيادة المريض.

ومن صور البر التي تهدف إلى كسب القلوب واستلال الشحناء؛ الهدية، وقد أهدى النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى مخالفيه في الدين.

وفي مرة أخرى دعا يهودي النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه  صلى الله عليه وسلم ، كما قبِل النبي  صلى الله عليه وسلم  هدايا الملوك إليه، فقِبل هدية المقوقس، وهدية ملك أيلة أكيدر، وهدية كسرى.

كما حث الإسلام على حق الضيافة وإكرام الضيف على قدر الاستطاعة.

ومن أعظم أنواع البر وصوره دعاءُ النبي  صلى الله عليه وسلم  لغير المسلمين، فلما قيل له  صلى الله عليه وسلم  فى احد المواطن يا رسول اللّه، ادع على المشركين قال إنّي لم أبعث لعّاناً، وإنّما بعثت رحمةً.

رابعاً : العدل في معاملة غير المسلمين ورفع الظلم عنهم:

إن من أهم المُثل ومكارم الأخلاق التي جاء الإسلام لحمايتها وتتميمها؛ العدل، لقد أمر القرآن الكريم بالعدل، وخصَّ بمزيد تأكيده على العدل مع المخالفين الذين قد يظلمهم المرء بسبب الاختلاف والنفرة، قال تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى] (المائدة: 8).

أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه.

وأعلم الله تعالى المؤمنين بمحبته للذين يعدلون في معاملتهم مع مخالفيهم في الدين الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، فقال: [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين] (الممتحنة: 8).

وحذر النبي  صلى الله عليه وسلم  من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم، وجعل نفسه الشريفة خصماً للمعتدي عليهم، فقال: (من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة).

وقال صلى الله عليه وسلم (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا فإنه ليس دونها حجاب).

ولمزيد التأكيد يوصي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  المسلمين بعدم التعرض للمستضعفين من غير المسلمين بالظلم والتسلط، فيقول: ((لعلكم تقاتلون قوماً فتظهرون عليهم، فيتقوكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم، فيصالحونكم على صلح، فلا تصيبوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يصلح لكم] .

أما منتهى الظلم وأشنعه، فهو قتل النفس بغير حق، لهذا جاء فيه أشد الوعيد وأعظمه، يقول  صلى الله عليه وسلم (من قتل معاهَداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً).

وقال  صلى الله عليه وسلم (أيما رجل أمّن رجلاً على دمه، ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان   المقتول كافراً).

قال  صلى الله عليه وسلم  ( إن الله عز وجل لم يُحِلَّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ، ولا ضَرْبَ نسائهم، ولا أكلَ ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم ).

وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فإنه قال: ((من ظلم ذميًا أو كلَّفه فوق طاقته فأنا حجيجه) فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونَ في حِلٍ من تحويلهم من بلد إلى بلد، ولكنهم أحرار أهلُ ذمة".

وقد أوصى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بأهل الزمة وأوصى بالقبط فقال (استوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً).

خامساً : التكافل الاجتماعي:

لعل من أهم الضمانات التي يقدمها الإسلام لغير المسلمين الذين يقيمون في المجتمع المسلم كفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي، فإن الله عز وجل بعث نبيه  صلى الله عليه وسلم  رحمة للعالمين [وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ] (الأنبياء: 107)، وقد أمر صلى الله عليه وسلم  المسلمين أن يتصفوا بصفة الرحمة في تعاملهم فيما بينهم ومع غيرهم، بل وحتى مع الحيوان، فقال  صلى الله عليه وسلم  (( لا يرحم الله من لا يرحم الناس)، وكلمة الناس لفظة عامة تشمل كل أحد دون اعتبار لجنس أو دين.

وحث الإسلام أيضاً المؤمنين وألزمهم بالإحسان والبر في معاملة من لا يعتدي على المسلمين، فقال تبارك وتعالى: [ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ] (البقرة: 195).

وقد جعل الإسلام دفع الزكاة إلى مستحقيها من المسلمين وغيرهم ركناً من أركان الإسلام، فقال تعالى: [ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ](التوبة: 60) .

وعليه قد أجاز فقهاء الشريعة التصدق على أهل الذمة، يقول أبي رزين قال كنت مع سفيان بن سلمة فمر عليه أسارى من المشركين، فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية: [ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً] (الإنسان: 8).

وقد سجل المستشرق بارتولد في كتابه "الحضارة الإسلامية"، "أن النصارى كانوا أحسن حالاً تحت حكم المسلمين، إذ أن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل ".

شهادات المؤرخين الغربيين على سماحة المسلمين مع غيرهم:

وإن خير شاهد على التزام المسلمين بهذه المبادئ، تلك الشهادات التاريخية المتتابعة التي سجلها مؤرخو الغرب والشرق عن تسامي المسلمين عن إجبار أحد – ممن تحت سلطانهم – في الدخول في الإسلام.

يقول ول ديورانت: "لقد كان أهل الذمة، المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم".

يقول توماس آرنولد : "لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي".

وينقل معرب "حضارة العرب" قول روبرتسن في كتابه "تاريخ شارلكن": "إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وإنهم مع امتشاقهم الحسام نشراً لدينهم، تركوا مَن لم يرغبوا فيه أحراراً في التمسك بتعاليمهم الدينية".

وينقل أيضاً عن الراهب ميشود في كتابه "رحلة دينية في الشرق" قوله: "ومن المؤسف أن تقتبس الشعوب النصرانية من المسلمين التسامح ، الذي هو آية الإحسان بين الأمم واحترام عقائد الآخرين وعدم فرض أي معتقد عليهم بالقوة".

وينقل ترتون في كتابه "أهل الذمة في الإسلام" شهادة البطريك " عيشو يابه " الذي تولى منصب البابوية حتى عام 657هـ:" إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا، ويوقرون قديسينا وقسسنا، ويمدون يد العون إلى كنائسنا وأديرتنا ".

ويقول المفكر الأسباني بلاسكوا أبانيز في كتابه "ظلال الكنيسة" متحدثاً عن الفتح الإسلامي للأندلس: "لقد أحسنت أسبانيا استقبال أولئك الرجال الذين قدموا إليها من القارة الإفريقية، وأسلمتهم القرى أزمتها بغير مقاومة ولا عداء.

ويقول المؤرخ الإنجليزي السير توماس أرنولد في كتابه "الدعوة إلى الإسلام": "لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة، ونستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح ".

وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه "العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام، فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها؛ سمح لهم جميعاً دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائر دينهم، وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى، أو ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى؟".

يقول المـؤرخ الإسباني أولاغي: "فخلال النصف الأول من القرن التـاسع كـانت أقـلية مسيحية مهمة تعيش في قرطبة وتمارس عبادتها بحرية كاملة".

يقـول القس إيِلُوج "نعيش بينهم دون أنْ نتعرض إلى أيّ مضايقات، في ما يتعلق بمعتقدنا".

ويبين لنا توماس أرنولد أن خراج مصر كان على عهد عثمان اثنا عشر مليون دينار، فنقص على عهد معاوية حتى بلغ خمسة ملايين، ومثله كان في خراسان، فلم يسقط بعض الأمراء الجزية عمن أسلم من أهل الذمة، ولهذا السبب عزل عمر بن عبد العزيز واليه على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي ، وكتب: "إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً" .

إذا كان الحال كما عرفنا، فما السر في تقبل الشعوب للإسلام وإقبالها عليه؟

وينقل الخربوطلي عن المستشرق دوزي في كتابه "نظرات في تاريخ الإسلام" قوله: "إن تسامح ومعاملة المسلمين الطيبة لأهل الذمة أدى إلى إقبالهم على الإسلام وأنهم رأوا فيه اليسر والبساطة مما لم يألفوه في دياناتهم السابقة ".

ويقول غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب" "إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن فقد ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم.

ويقول: "وما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحاتهم وفي سهولة اقتناع كثير من الأمم بدينهم ولغتهم .. والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب ، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم ".

ويوافقه المؤرخ ول ديورانت فيقول: "وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطة اعتنق الدين الجديدَ معظمُ المسيحيين وجميع الزرادشتيين والوثنيين إلا عدداً قليلاً منهم .. واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلدان الممتدة من الصين وأندونيسيا إلى مراكش والأندلس، وتملك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث آمالاً تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها".

ويقول روبرتسون في كتابه "تاريخ شارلكن": "لكنا لا نعلم للإسلام مجمعاً دينياً، ولا رسلاً وراء الجيوش، ولا رهبنة بعد الفتح، فلم يُكره أحد عليه بالسيف ولا باللسان، بل دخل القلوب عن شوق واختيار، وكان نتيجة ما أودع في القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالأسباب ".
 

Mohamed Salah

عقيد
إنضم
3/7/21
المشاركات
335
التفاعلات
679
تمتع غير المسلمين المقيمون في بلاد المسلمين بسلسلة من الضمانات التي منحها لهم المجتمع المسلم بهدي من كتاب الله وسنة رسوله  صلى الله عليه وسلم، منها ضمان حرية العقيدة، وحرية العبادة، وحسن المعاملة ورفع الظلم عنهم، والعدل، والتكافل الإجتماعى.

أولاً: ضمان حرية المعتقد:

لم يعمد المسلمون طوال تاريخهم الحضاري العظيم إلى إجبار الشعوب أو الأفراد الذين تحت ولايتهم يقول الله: [لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً] (المائدة: 48).

وقال تعالى: [ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين # إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ] ( هود : 118– 119).

أدرك المسلمون أن مهمتهم هي البلاغ فحسب، قال الله مخاطباً نبيه  صلى الله عليه وسلم : [فإن تولوا فإنما عليك البلاغ[ (النحل: 82). وقال تعالى: [فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد] (آل عمران: 20).

 وقال تعالى: [فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر] (الغاشية: 21-22).

وقال الله تعالى لنبيه  صلى الله عليه وسلم: [ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ] (البقرة: 272).

كرم الله الجنس البشري على سائر مخلوقات الله [ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً ] (الإسراء: 70).

 ومن تكريم الله للجنس البشري ما وهبه من العقل وهبه الحرية والإرادة الحرة لاختيار ما يشاء { إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً } (الإنسان: 3) { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } (يونس: 99).

وقد امتثل سلفنا هدي الله، فلم يلزموا أحداً بالإسلام إكراهاً [لا إكراه في الدين] (البقرة: 256).

ثانياً: حرية ممارسة العبادة وضمان سلامة دورها:

أديانهم. فقد كتب لاساقفة اهل نجران ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على

ومن تبعهم ورهبانهم: أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته"، ووفق هذا الهدي السمح سار الخلفاء الراشدون من بعده  صلى الله عليه وسلم، فقد ضمن الخليفة عمر بن الخطاب نحوه في العهدة العمرية التي كتبها لأهل القدس، وفيها: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، وأن تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم.

وحين فتح خالد بن الوليد دمشق كتب لأهلها : "بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم ، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله  والخلفاء والمؤمنين".

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: "لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار".

وقال الفقهاء المسلمون بتأمين المسلمين لحقوق رعاياهم في العبادة، فقرروا أنه "يحرم إحضار يهودي في سبته، وتحريمه باق بالنسبة إليه، فيستثنى شرعاً من عمل في إجازة، لحديث النسائي والترمذي وصححه: ((وأنتم يهود عليكم خاصة ألا تعدوا في السبت)).

ويمتد أمان الذمي على ماله، ولو كان خمراً أو خنزيراً ، وينقل الطحاوي إجماع المسلمين على حرية أهل الذمة في أكل الخنازير والخمر وغيره مما يحل في دينهم.

كما ينقل عن ابن القاسم "إن تحاكم أهل الذمة إلى حاكم المسلمين ورضي الخصمان به جميعاً؛ فلا يحكم بينهما إلا برضا من أساقفهما، فإن كره ذلك أساقفهم فلا يحكم بينهم، وكذلك إن رضي الأساقفة ولم يرض الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهما".

ثالثاً: حسن العشرة والمعاملة الحسنة:

أمر الله في القرآن الكريم المسلمين ببر مخالفيهم في الدين، الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، فقال: [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين] (الممتحنة: 8).

وقوله: { إن الله يحب المقسطين } بمعنى إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم".

فقد أوجب الإسلام حسن العشرة وصلة الرحم حتى مع الاختلاف في الدين، فقد أمر الله بحسن الصحبة للوالدين وإن جهدا في رد ابنهما عن التوحيد إلى الشرك، فإن ذلك لا يقطع حقهما في بره وحسن صحبته: [وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً] (لقمان: 15).

قال محمد بن الحسن: "يجب على الولد المسلم نفقة أبويه الذميين لقوله تعالى: [وصاحبهما في الدنيا معروفا ] (لقمان: 15)،  والنوازل والأجداد والجدات من قبل الأب والأم بمنزلة الأبوين في ذلك، استحقاقهم باعتبار الولاد بمنزلة استحقاق الأبوين".

ومن البر وصلة الأرحام عيادة المريض.

ومن صور البر التي تهدف إلى كسب القلوب واستلال الشحناء؛ الهدية، وقد أهدى النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى مخالفيه في الدين.

وفي مرة أخرى دعا يهودي النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه  صلى الله عليه وسلم ، كما قبِل النبي  صلى الله عليه وسلم  هدايا الملوك إليه، فقِبل هدية المقوقس، وهدية ملك أيلة أكيدر، وهدية كسرى.

كما حث الإسلام على حق الضيافة وإكرام الضيف على قدر الاستطاعة.

ومن أعظم أنواع البر وصوره دعاءُ النبي  صلى الله عليه وسلم  لغير المسلمين، فلما قيل له  صلى الله عليه وسلم  فى احد المواطن يا رسول اللّه، ادع على المشركين قال إنّي لم أبعث لعّاناً، وإنّما بعثت رحمةً.

رابعاً : العدل في معاملة غير المسلمين ورفع الظلم عنهم:

إن من أهم المُثل ومكارم الأخلاق التي جاء الإسلام لحمايتها وتتميمها؛ العدل، لقد أمر القرآن الكريم بالعدل، وخصَّ بمزيد تأكيده على العدل مع المخالفين الذين قد يظلمهم المرء بسبب الاختلاف والنفرة، قال تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى] (المائدة: 8).

أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه.

وأعلم الله تعالى المؤمنين بمحبته للذين يعدلون في معاملتهم مع مخالفيهم في الدين الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، فقال: [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين] (الممتحنة: 8).

وحذر النبي  صلى الله عليه وسلم  من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم، وجعل نفسه الشريفة خصماً للمعتدي عليهم، فقال: (من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة).

وقال صلى الله عليه وسلم (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا فإنه ليس دونها حجاب).

ولمزيد التأكيد يوصي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  المسلمين بعدم التعرض للمستضعفين من غير المسلمين بالظلم والتسلط، فيقول: ((لعلكم تقاتلون قوماً فتظهرون عليهم، فيتقوكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم، فيصالحونكم على صلح، فلا تصيبوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يصلح لكم] .

أما منتهى الظلم وأشنعه، فهو قتل النفس بغير حق، لهذا جاء فيه أشد الوعيد وأعظمه، يقول  صلى الله عليه وسلم (من قتل معاهَداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً).

وقال  صلى الله عليه وسلم (أيما رجل أمّن رجلاً على دمه، ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان   المقتول كافراً).

قال  صلى الله عليه وسلم  ( إن الله عز وجل لم يُحِلَّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ، ولا ضَرْبَ نسائهم، ولا أكلَ ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم ).

وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فإنه قال: ((من ظلم ذميًا أو كلَّفه فوق طاقته فأنا حجيجه) فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونَ في حِلٍ من تحويلهم من بلد إلى بلد، ولكنهم أحرار أهلُ ذمة".

وقد أوصى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بأهل الزمة وأوصى بالقبط فقال (استوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً).

خامساً : التكافل الاجتماعي:

لعل من أهم الضمانات التي يقدمها الإسلام لغير المسلمين الذين يقيمون في المجتمع المسلم كفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي، فإن الله عز وجل بعث نبيه  صلى الله عليه وسلم  رحمة للعالمين [وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ] (الأنبياء: 107)، وقد أمر صلى الله عليه وسلم  المسلمين أن يتصفوا بصفة الرحمة في تعاملهم فيما بينهم ومع غيرهم، بل وحتى مع الحيوان، فقال  صلى الله عليه وسلم  (( لا يرحم الله من لا يرحم الناس)، وكلمة الناس لفظة عامة تشمل كل أحد دون اعتبار لجنس أو دين.

وحث الإسلام أيضاً المؤمنين وألزمهم بالإحسان والبر في معاملة من لا يعتدي على المسلمين، فقال تبارك وتعالى: [ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ] (البقرة: 195).

وقد جعل الإسلام دفع الزكاة إلى مستحقيها من المسلمين وغيرهم ركناً من أركان الإسلام، فقال تعالى: [ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ](التوبة: 60) .

وعليه قد أجاز فقهاء الشريعة التصدق على أهل الذمة، يقول أبي رزين قال كنت مع سفيان بن سلمة فمر عليه أسارى من المشركين، فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية: [ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً] (الإنسان: 8).

وقد سجل المستشرق بارتولد في كتابه "الحضارة الإسلامية"، "أن النصارى كانوا أحسن حالاً تحت حكم المسلمين، إذ أن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل ".

شهادات المؤرخين الغربيين على سماحة المسلمين مع غيرهم:

وإن خير شاهد على التزام المسلمين بهذه المبادئ، تلك الشهادات التاريخية المتتابعة التي سجلها مؤرخو الغرب والشرق عن تسامي المسلمين عن إجبار أحد – ممن تحت سلطانهم – في الدخول في الإسلام.

يقول ول ديورانت: "لقد كان أهل الذمة، المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم".

يقول توماس آرنولد : "لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي".

وينقل معرب "حضارة العرب" قول روبرتسن في كتابه "تاريخ شارلكن": "إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وإنهم مع امتشاقهم الحسام نشراً لدينهم، تركوا مَن لم يرغبوا فيه أحراراً في التمسك بتعاليمهم الدينية".

وينقل أيضاً عن الراهب ميشود في كتابه "رحلة دينية في الشرق" قوله: "ومن المؤسف أن تقتبس الشعوب النصرانية من المسلمين التسامح ، الذي هو آية الإحسان بين الأمم واحترام عقائد الآخرين وعدم فرض أي معتقد عليهم بالقوة".

وينقل ترتون في كتابه "أهل الذمة في الإسلام" شهادة البطريك " عيشو يابه " الذي تولى منصب البابوية حتى عام 657هـ:" إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا، ويوقرون قديسينا وقسسنا، ويمدون يد العون إلى كنائسنا وأديرتنا ".

ويقول المفكر الأسباني بلاسكوا أبانيز في كتابه "ظلال الكنيسة" متحدثاً عن الفتح الإسلامي للأندلس: "لقد أحسنت أسبانيا استقبال أولئك الرجال الذين قدموا إليها من القارة الإفريقية، وأسلمتهم القرى أزمتها بغير مقاومة ولا عداء.

ويقول المؤرخ الإنجليزي السير توماس أرنولد في كتابه "الدعوة إلى الإسلام": "لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة، ونستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح ".

وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه "العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام، فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها؛ سمح لهم جميعاً دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائر دينهم، وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى، أو ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى؟".

يقول المـؤرخ الإسباني أولاغي: "فخلال النصف الأول من القرن التـاسع كـانت أقـلية مسيحية مهمة تعيش في قرطبة وتمارس عبادتها بحرية كاملة".

يقـول القس إيِلُوج "نعيش بينهم دون أنْ نتعرض إلى أيّ مضايقات، في ما يتعلق بمعتقدنا".

ويبين لنا توماس أرنولد أن خراج مصر كان على عهد عثمان اثنا عشر مليون دينار، فنقص على عهد معاوية حتى بلغ خمسة ملايين، ومثله كان في خراسان، فلم يسقط بعض الأمراء الجزية عمن أسلم من أهل الذمة، ولهذا السبب عزل عمر بن عبد العزيز واليه على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي ، وكتب: "إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً" .

إذا كان الحال كما عرفنا، فما السر في تقبل الشعوب للإسلام وإقبالها عليه؟

وينقل الخربوطلي عن المستشرق دوزي في كتابه "نظرات في تاريخ الإسلام" قوله: "إن تسامح ومعاملة المسلمين الطيبة لأهل الذمة أدى إلى إقبالهم على الإسلام وأنهم رأوا فيه اليسر والبساطة مما لم يألفوه في دياناتهم السابقة ".

ويقول غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب" "إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن فقد ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم.

ويقول: "وما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحاتهم وفي سهولة اقتناع كثير من الأمم بدينهم ولغتهم .. والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب ، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم ".

ويوافقه المؤرخ ول ديورانت فيقول: "وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطة اعتنق الدين الجديدَ معظمُ المسيحيين وجميع الزرادشتيين والوثنيين إلا عدداً قليلاً منهم .. واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلدان الممتدة من الصين وأندونيسيا إلى مراكش والأندلس، وتملك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث آمالاً تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها".

ويقول روبرتسون في كتابه "تاريخ شارلكن": "لكنا لا نعلم للإسلام مجمعاً دينياً، ولا رسلاً وراء الجيوش، ولا رهبنة بعد الفتح، فلم يُكره أحد عليه بالسيف ولا باللسان، بل دخل القلوب عن شوق واختيار، وكان نتيجة ما أودع في القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالأسباب ".
بالتوفيق لك أخي لكن ملحوظة حتي يكون الموضوع أكثر قوة من الأفضل أن يتم وضع صورة خاصة بالموضوع في البداية حتي يعطي الموضوع رونق وجمال
 
أعلى