عبد الحميد الثاني: الرجل الذي أثّر فينا أكثر من أي شخص آخر

الموضوع في 'قسم التاريخ العسكري' بواسطة القيصر, بتاريخ ‏10/2/18.

  1. القيصر

    القيصر عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏9/10/17
    المشاركات:
    379
    الإعجابات المتلقاة:
    1,328
    نقاط الجائزة:
    368
    عبد الحميد الثاني: الرجل الذي أثّر فينا أكثر من أي شخص آخر

    [​IMG]

    نظرتان تواجهتا طوال القرن الماضي. واحدة ترى في عبد الحميد الثاني السلطان الأسوأ في التاريخ العثماني، وثانية تنحاز لمن تعتبره "السلطان المظلوم".

    الناقمون
    تقاطعت حول تسويد صفحة عبد الحميد مصادر ومواقع مختلفة ومتنابذة.
    الأرمن الذي رأوا فيه "قاتلهم" وباعث "الخيالة الحميديّة" المشكّلة من الأكراد والتركمان لارتكاب المجازر بحقهم.
    القوميون الأكراد والعرب والألبان الذين اعتبروا أنّه عمل على "تتريكهم"، وقد تجذّر السعي إلى ذلك بعدما أطاحه ضباط "تركيا الفتاة".
    الأتراك المستاؤون من إثقاله الحاشية بالعرب "الرجعيين والمتزلّفين". لم يغفروا له تنكيله بمدحت باشا "أبو الأحرار"، وانقلابه على "التنظيمات" الإصلاحية بعد سنتين فقط على إقرار الدستور أواخر العام 1876، بتعطيله الأخير وحلّه مجلس المبعوثان (البرلمان العثماني)، وقمعه للحريات.
    وعندما أجبر بعد انقلاب تموز 1908 على إعادة العمل بالدستور، لم يغفروا له كيده بـ"المشروطة الثانية" (المرحلة الدستورية الثانية)، ومحاولته الانقلاب عليها باسم الشريعة مجدداً، ما أدّى إلى عزله، ونفيه إلى صالونيك، وحجزه في الإقامة الجبرية المشدّدة فيها.

    [​IMG]مجلس المبعوثان في ديسمبر 19088 م.

    الصهيونيون الذين رأوا فيه أبا "اللاسامية الإسلامية الحديثة"، من خلال إعاقته الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بخلاف أسلافه من سلاطين آل عثمان الذين شرّعوا أبواب الدولة العليّة لليهود المطرودين من الأندلس المُكثَلك.

    [​IMG]
    السلطان عبد الحميد على هرتسل مؤسس الصهيونية

    ارتكز نقد الصهيونيين لعبد الحميد على رفضه إغراءات ثيودور هرتسل يوم استطاع المثول في حضرته عام 1901، كما أخذوا على عبد الحميد تفسيره الإطاحة العسكرية به بأنها مؤامرة صهيونية - ماسونية.​

    هذا على الرغم من أنّ تقييد عبد الحميد حركة الهجرة اليهودية من أوروبا الشرقية إلى فلسطين بقي محدوداً. تضاعف في عهده عدد اليهود في فلسطين، وباتوا أكثرية سكان القدس، وتكوّن "المجتمع الاستيطاني" (الييشوف).
    أما مدينة تل أبيب نفسها، فلم تتأسس في ضواحي يافا إلا عام 1909، سنة خلع آخر السلاطين "الفعليين" من آل عثمان.

    سلطان "الترامواي" ومُدلّل بيروت
    غاب اسم عبد الحميد عن الساحة والساعة اللتين حملتا اسمه في وسط بيروت، المدينة التي دلّلها أكثر من سواها في السلطنة، واحتفظ "سوق الحميدية" في دمشق بكنيته.
    أما التراموي الذي أدخل في عهده إلى كل من دمشق وبيروت فتحول في كلتيهما إلى ذكرى، ونوستالجيا نتلقف حكايتها في الصور.

    [​IMG]
    الترامواي في بيروت

    وقد كان عهد عبد الحميد بامتياز عهد تظهير التحديث والعمران الذي تشهده مدن السلطنة من خلال الصور الفوتوغرافية.
    عرفت السلطنة أكبر نهضة تربوية في تاريخها في ظلّ حكمه، وتضاعفت فيها المدارس، وتنامت الطبقة الوسطى المدينية.
    عوّل عبد الحميد على هذا التحديث العمراني لتوثيق الرابطة بين الولايات التركية والولايات العربية، مثلما عوّل على سكة الحديد التي تصل حتى المدن المقدسة في الحجاز، وأراد لها أن تصل حتى اليمن، من أجل ربط ولايات الدولة بعضها ببعض، وتسهيل حركة الحج.
    لكنّ عبد الحميد لم يبق على "ولاية سوريا" الكبيرة كما وسّعت عام 1865 لتشمل سائر بلاد الشام، فاستحدث ولاية بيروت عام 1888، وقد شملت اللاذقية وطرابلس وعكا ونابلس. علماً أن لسلخ ولاية بيروت عن "سوريا" أثراً في تاريخنا الحديث أعمق من أي أثر.

    الاستبداد: تبدّل معنى الكلمة
    غُيّب كل هذا لصالح اقتران اسمه بالاستبداد. لكن مفردة الاستبداد نفسها لم تكن تعني في التركية والعربية الشيء نفسه قبل عبد الحميد.
    لم يكن لها في الأصل، ككلمة، مدلول سلبي عندما كانت الدولة تخطو باتجاه الإصلاحات في فترة "التنظيمات" (1839-1876).
    اتفق الإصلاحيّون على أنّ المطلوب تعزيز الانتماء للبوتقة العثمانية الواحدة من خلال الاقتراب من تحقيق المساواة بين رعايا السلطان. لكنهم اختلفوا بين من يرى الحاجة إلى "محرّك أعلى" واسع الصلاحيات لقيادة عملية الإصلاح (وستظهر لاحقاً نزعة المقارنة بالنموذج الياباني في التحديث المركزي السلطويّ، بعد "إصلاحات ميجي 1868، التي "استعاد" من خلالها الإمبراطور سلطته الكلية من أركانه، "الشوغونات")، وبين من يرى الحاجة إلى الاقتباس من المؤسسات السياسية الغربية، باتجاه "الملكية الدستوريّة" وحاكمية القانون.
    أمّا كلمة "الاستبداد" نفسها، وكما ينبهنا المؤرخ التركي ايلبر اورطايلي، فلم يكن لها وقع سيىء في فترة التنظيمات. بل بالعكس، كانت تعني الإدارة القوية والقويمة. وكان المقصود بها مختلفاً تماماً عن معنى "الطغيان".
    فـ"الطغيان"، في المعجمين القرآني واللغويّ، يعني "مجاوزة الحدّ"، تجاوز الشرعية والصلاحيات، و"الطواغيت" أوثان تعبد من دون الله، أمّا "الاستبداد" فهو العدل، والموازنة بين القدرة والفعل.
    وكما يذكّرنا اورطايلي أيضاً، لم يكن إصلاحيّو فترة التنظيمات متحمّسين لأفكار الثورة الفرنسية، بل لمحاكاة تجربة الإصلاح المحافظ النمساوية، وتعجبهم شخصية الأمير مترنيخ وأفكاره، حيث الأولوية للنظام على الحريّة، وحيث الولاء للإمبراطور عنصر أساسي في تشكيل الشعور بالوطنية، لأنه يتيح مراعاة التعددية القومية والدينية في الوقت نفسه.

    "السلطان الدستوري"
    بلغت "التنظيمات" ذروتها عام 1876، بعد خلع السلطان عبد العزيز. عُيّن ابن أخيه "السلطان الماسونيّ"، الفرنسيّ الهوى، مراد الخامس.
    لم يتحمّله لا المحافظون ولا الإصلاحيّون على رأس الدولة، وأسرعوا للإطاحة به بفتوى "جنونه المطبق".
    انتقل العرش لأخيه عبد الحميد الثاني، الذي لا يتمتع بالخبرة الكافية، عدا أن شرعيته مطعون فيها، وفي ظلّ ترنّح مالي وعسكريّ عارم.

    [​IMG]

    ولمّا كان الشارع في الأستانة في ذلك الوقت، إلى جانب الإصلاحيين، بقيادة مدحت باشا، وكان مدحت يرى ضرورة كتابة الدستور، تقبّل عبد الحميد الأمر على مضض، ولكن ليس قبل أن يفرض تصحيح المسودة المرفوعة إليه.
    وإذا كانت المسودة تنص أساساً على كون السلطان هو خليفة المسلمين في مادتها الرابعة، فقد زاد عليها حقه في تسمية الوزراء، وفي نفي من يعتبره خطراً على سلامة الدولة.
    وهكذا، يرى صاحب السيرة الأبرز عن عبد الحميد، المؤرخ الفرنسي فرنسوا جورجون (عبد الحميد الثاني، السلطان الخليفة، فايار، 2003)، أنّ دستور 1876 جعل منه سلطاناً دستورياً، لكنه كان بدوره دستوراً سلطانياً، وليس ملكية دستوريّة، ولو أنّه قال باستقلالية القضاء، وتضمّن رزمة من الحقوق والحريات المتساوية للمواطنين.

    المنقلب على الدستور والحريات
    كان مدحت باشا يمنّي مع ذلك نفسه بأن يفرد سلطته كـ"صدر أعظم"، شأن أسلافه في المنصب، الذين توسّعت سلطتهم الفعلية في مرحلة التنظيمات على حساب السلاطين.
    وكان مدحت يزيد على السلطان الشاب بعشرين عاماً، وله شعبية كاسحة، وتجربة حافلة في حكم سوريا والعراق، وفي خلع السلطانين عبد العزيز ومراد.
    الا أنّ كلّ ذلك سيعجّل بنهايته، بعدما أمضى شهراً ونصف الشهر في "الصدارة العظمى"، عقب إقرار الدستور، فيُعزل وينفى إلى الحجاز، ويخنق في الطائف في نيسان 1883، بعد أن خشي السلطان من اتصاله بالإنكليز الذين تعاظم تواجدهم في منطقة البحر الأحمر، لتركيب مؤامرة مشتركة مع الهاشميين في مكّة.
    أمّا الشاعر والمفكر نامق كمال العائد من منفاه الفرنسي متأثراً بالأنوار الغربية، للمشاركة في بناء النظام الدستوريّ، فسينتهي منفياً في جزيرة كريت.
    شكّل الأخير بأفكاره وهالته صلة الوصل بين جيل "العثمانيين الجدد"، رواد "التنظيمات" الذين عملوا على التأسيس لوطنية "عثمانليليك" (النزعة العثمانية)، وبين الأتراك الشباب الأكثر تأثراً بمفهوم العرق الطوراني في مفهومهم عن الوطن.

    "المستبد"
    في الفترة نفسها التي نجح فيها عبد الحميد في تقويض هذه المعارضة التركية "الليبرالية" له على خلفية عزله لمدحت باشا، ثم حلّه لمجلس المبعوثان وتعليق العمل بالدستور عام 1878، تبدّل استخدام كلمة "استبداد" على نحو طريف.


    لعب عبد الحميد الثاني دوراً كبيراً في الحفاظ على الدولة العثمانية لأطول فترة ممكنة، وهي فترة أوجدت رغم كل شيء، بنية تحديثية غير مسبوقة تمتد من اسطنبول حتى بيروت


     
    moroccan4ever و last-one معجبون بهذا.

الاعضاء الذين قرأوا هذا الموضوع (المجموع: 5)

مشاركة هذه الصفحة